العيني
246
عمدة القاري
وسلم ، رجل ، ثم خرج بعد ما صلى ، فمر على قوم من الأنصار في صلاة العصر يصلون نحو بيت المقدس ، فقال لهم فانحرفوا ، فقيد الأولى بالعصر في الحديث الأول ، وأطلق الثانية . وقيد في الحديث الثاني الثانية بالعصر ، وأطلق الأولى . وجاء في البخاري في كتاب خبر الواحد تقييده الصلاتين بالعصر ، فقال من رواية البراء أيضا : فوجه نحو الكعبة ، وصلى معه رجل العصر ، ثم خرج فمر على قوم من الأنصار فقال لهم : هو يشهد أنه صلى مع النبي ، صلى الله تعالى عليه وسلم ، العصر ، وأنه قد وجه إلى الكعبة . قال : فانحرفوا وهم ركوع في صلاة العصر ، وكذا جاء في الترمذي أيضاً : إن الصلاتين كانتا العصر ، ولم يذكر مسلم ولا النسائي في حديث البراء هذا تعيين صلاة العصر ولا غيرهما ، وجاء في البخاري والنسائي ومسلم أيضاً ، في كتاب الصلاة ، من حديث مالك عن عبد الله بن دينار ، عن ابن عمر قال : بينا الناس بقباء في صلاة الصبح ، إذا جاءهم آت . . . وفيه : فكانت وجوههم إلى الشام ، فاستداروا إلى الكعبة . وكذلك أيضاً جاء في مسلم من رواية ثابت عن انس كرواية ابن عمر أنها الصبح ، فمر رجل من بني سلمة وهم ركوع في صلاة الفجر : وطريق الجمع بين رواية العصر والصبح أن التي صلاها مع النبي صلى الله عليه وسلم العصر ، مر على قوم من الأنصار في تلك الصلاة وهي العصر ، فهذا من رواية البراء ، وأما رواية ابن عمر وأنس رضي الله عنهما ، أنها الصبح فهي صلاة أهل قباء ثاني يوم ، وعلى هذا يقع الجمع بين الأحاديث ، فالذي مر بهم ليسوا أهل قباء ، بل أهل مسجد بالمدينة ، ومر عليهم في صلاة العصر ، وأما أهل قباء فأتاهم في صلاة الصبح ، كما جاء مصرحاً به في الروايات . وقال الشيخ قطب الدين : ومال بعض المتأخرين ممن أدركناهم إلى ترجيح رواية الصبح . قال : لأنها جاءت في رواية ابن عمر وأنس ، وأهملت في بعض الروايات حديث البراء ، وعينت بالعصر في بعض الطرق . قال : فتقدمت رواية الصبح لأنها من رواية صحابيين . قلت : الأول هو الصواب ، وقد قال النووي : لأنه أمكن حمل الحديثين على الصحة فهو أولى من توهين رواية العدول المخرجة في الصحيح ، وممن بينه كما روى أبو داود مرسلاً عن بكير بن الأشج أنه كان بالمدينة تسعة مساجد مع مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم يسمع أهلها آذان بلال ، رضي الله عنه ، على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فيصلون في مساجدهم ، وأقربها مسجد بني عمرو بن مندول من بني النجار ، ومسجد بني ساعدة ، ومسجد بني عبيد ، ومسجد بني سلمة ، ومسجد بني زريق ، ومسجد عفان ، ومسجد سلم ، ومسجد جهينة . وشك في تعيين التاسع . قوله : ( فخرج رجل ) وهو : عباد بن نهيك ، بفتح النون وكسر الهاء ، بن أساف الخطمي ، صلى إلى القبلتين مع النبي : عليه الصلاة والسلام ، ركعتين إلى بيت المقدس وركعتين إلى الكعبة يوم صرفت ، قاله ابن عبد البر : وقال ابن بشكوال : هو عباد بن بشر الأشهلي ، ذكره الفاكهي في أخبار مكة عن خويلد بنت أسلم ، وكانت من المبايعات ، وفيه قول ثالث : إنه عباد بن وهب ، رضي الله عنه . قوله : ( فمر على أهل مسجد ) هؤلاء ليسوا أهل قباء ، بل أهل مسجد بالمدينة ، وهو مسجد بني سلمة ، ويعرف بمسجد القبلتين ، ومر عليهم المار في صلاة العصر . وأما أهل قباء فأتاهم الآتي في صلاة الصبح كما قررناه آنفا ، وقال الكرماني : لفظ الكتاب يحتمل أن يكون المراد من : مسجد ، هو مسجد قباء ، ومن لفظ : هم راكعون ، أن يكونوا في صلاة الصبح ، اللهم إلاَّ أن يقال : الفاء ، التعقيبية لا تساعده . قلت : بالاحتمال لا يثبت الحكم ، والتحقيق فيه ما ذكرناه الآن . قوله : ( وهم راكعون ) ، يحتمل أن يراد به حقيقة الركوع ، وأن يراد به الصلاة من باب إطلاق الجزء وإرادة الكل . بيان استنباط الاحكام : وهو على وجوه . الأول : فيه دليل على صحة نسخ الأحكام ، وهو مجمع عليه إلاَّ طائفة لا يعبأ بهم . قلت : النسخ جائز في جميع أحكام الشرع عقلاً ، وواقع عند المسلمين أجمع شرعاً خلافاً لليهود ، لعنهم الله ، فعند بعضهم باطل نقلاً ، وهو ما جاء في التوراة : تمسكوا بالسبت ما دامت السماوات والأرض ، فادعوا نقله تواتراً ، ويدعون النقل عن موسى ، عليه السلام ، أنه قال : لا نسخ لشريعته . وعند بعضهم : باطل عقلاً ، والدليل على جوازه ووقوعه المعقول والمنقول . اما النقل : فلا شك أن نكاح الأخوات كان مشروعاً في شريعة آدم ، عليه السلام ، وبه حصل التناسل ، وهذا لا ينكره أحد ، وقد ورد في التوراة أنه أمر آدم ، عليه السلام ، بتزويج بناته من بنيه ، ثم نسخ ، وكذا : استرقاق الحر كان مباحاً في عهد يوسف ، عليه السلام ، حتى نقل عنه أنه استرق جميع أهل مصر ، عام القحط ، بأن اشترى